عبد القاهر الجرجاني
241
دلائل الإعجاز في علم المعاني
واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال السامع ، فإذا رأى المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه ، ظنّ لذلك أنّ المعاني تبع للألفاظ في ترتيبها . فإنّ هذا الذي بيّنّاه يريه فساد هذا الظنّ . وذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها ، لكان محالا أن تتغيّر المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها . فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغيّر من غير أن تتغيّر الألفاظ وتزول عن إمكانها ، علمنا أن الألفاظ هي التابعة ، والمعاني هي المتبوعة . واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا ، ثم يقدّم الذي هو الخبر ، إلّا أشكل الأمر عليك فيه ، فلم تعلم أن المقدّم خبر ، حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبّر . أنشد الشّيخ أبو علي في " التّذكرة " " 1 " : [ من الخفيف ] نم وإن لم أنم كراي كراكا " 2 " ثم قال : " ينبغي أن يكون " كراي " خبرا مقدّما ، ويكون الأصل : " كراك كراي " ، أي نم ، وإن لم أنم فنومك نومي ، كما تقول : " قم ، وإن جلست ، فقيامك قيامي ، هذا هو عرف الاستعمال في نحوه " ثم قال : " وإذا كان كذلك ، فقد قدّم الخبر وهو معرفة ، وهو ينوي به التأخير من حيث كان خبرا " قال : " فهو كبيت الحماسة : [ من الطويل ] بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد فقدّم خبر المبتدأ وهو معرفة ، وإنّما دلّ على أنه ينوي التأخير المعنى ، ولولا ذلك لكانت المعرفة ، إذا قدّمت ، هي المبتدأ لتقدّمها ، فافهم ذلك " . هذا كلّه لفظه . واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضّرب من الكلام ، إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك ، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة ، من غير
--> ( 1 ) وهو للإمام الحسن بن أحمد الفارسي ، وهو كبير من مجلدات لخصه ابن جني . كشف الظنون ( 1 / 384 ) . ( 2 ) صدر بيت لأبي تمام في ديوانه ( 461 ) ، وبعده : طال صبري تفديك نفسي وقلّت * نفس مثلي عن أن تكون فداكا ورواية الديوان : نم فإن لم أنم كراي كراكا * شاهدي منك أن ذاك كذاكا